الصالحي الشامي

277

سبل الهدى والرشاد

الثالث : قال في زاد المعاد أيضا كان شيخا أبو العباس في تيهته رحمه الله تعالى يذكر في سبب الذؤابة شيئا بديعا ، وهو أنه صلى الله عليه وسلم إنما اتخذها صبيحة المنام الذي رآه بالمدينة ، لما رأى رب العزة تبارك وتعالى فقال : ( يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ قلت : لا أدري ، فوضع يده بين كتفي فعلمت ما بين السماء والأرض ) الحديث . رواه الترمذي ، وقال إنه سأل البخاري عنه فصححه ، قال أبو العباس رحمه الله تعالى : فمن تلك الغداة أرخى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذؤابة بين كتفيه صلى الله عليه وسلم ، وهذا من العلم الذي تنكره ألسنة الجهال وقلوبهم ، قال ابن القيم رحمه الله تعالى : ولم أر هذه الفائدة في شأن الذؤابة لغيره ، وقال الحافظ أبو الفضل العراقي رحمه الله تعالى : لم نجد لما ذكره أصلا . وقال الحافظ أبو ذرعة بن الحافظ أبي الفضل العراقي رحمهما الله تعالى في تذكرته بعد أن ساق ما تقدم عن ابن تيمية ، إن ثبت ذلك فهو وصفه ، وليس يلزم منه التجسيم ، لأن الكف يقال فيه ما قاله أهل الحق في اليد ، فهم ما بين متأول وساكت عن التأويل ، مع نفي الظاهر ، كيفما كان فهو نعمة عظيمة ، ومنة جسمية ، حلت بين كتفيه فقابلها بإكرام ذلك المحل الذي حطت فيه تلك النعمة ، والمراد بالذؤابة ههنا القامة لموافقة الحديث الذي قبله وأكثر اشتهرها على شعر الرأس ، وقد تطلق على المتدلي من غيره . الرابع : قال شيخ الإسلام كمال الدين بن أبي شريف رحمه الله تعالى في كتابه صوبة الغمامة ، في إرساله طرف العمامة : إسبال طرف العمامة مستحب مرجح فعله على تركه ، كما يؤخذ من الأحاديث السابقة خلافا لما أوهمه كلام النووي رحمه الله تعالى من إباحته بمعنى استواء الطرفين . قال الإمام النووي في شرح المهذب : يجوز لبس العمامة بإرسال طرفها ، بغير إرساله ، ولا كراهة في واحد منهما ، وذكر معناه في الروضة باختصار . قال في شرح المهذب : ولم يصح في النهي عن ترك الإرسال شئ ، وذكر أنه صح في الإرخاء حديث عمرو بن حريث رضي الله تعالى عنه أي السابق - هذا كلام الإمام النووي رحمه الله تعالى . قال ابن أبي شريف رحمه الله تعالى : ولم أر من تعقبه ، ويمكن أن يقال قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه بإرخاء طرف العمامة ، وعلله صلى الله عليه وسلم لأنه أعرب وأحسن ، فهو مستحب وأولى ، وتركه خلاف الأولى والمستحب . واظاهر أن الإمام النووي أراد بالمكروه ما ورد فيه نهى مقصود ، وليس الترك مكروها بهذا المعنى ، ولا يمتنع كون الإرسال أولى أو مستحبا ، وأما إن أراد بالمكروه ما يتناول خلاف الأولى ، كما هو اصطلاح متقدمي الأصوليين ، فلا نسلم كون الترك غير مكروه بهذا المعنى بل هو مكروه .